عبد الكريم الخطيب
758
التفسير القرآنى للقرآن
وفي قوله تعالى : « فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ » لمسة رقيقة رفيقة ، من لمسات السماء ، لتعطف القلوب على هؤلاء الفتيات ، ولتفتح عليهن باب الأمل والرجاء ، في حياة كريمة ، يجدنها في آفاق الحياة الزوجية ، ويخرجن بها عن دائرة العبودية ، والامتهان ! . فالأمة حين تتحول إلى زوجة لرجل حرّ ، تصبح في ضمان رجل يرعاها ، ويتعهد شؤونها ، ويقوم على أمرها ، بعد أن كانت هملا مطلقا ، لا ينظر إليها إلا كما ينظر إلى متاع أو حيوان ! وانظر إلى رحمة اللّه ، وإلى تدبيره سبحانه ، في مواساة الإماء ، وتحرير رقابهن . فأولا : ما وصف به الإماء هنا ، من أنهن فتيات ، دون وصفهن بالإماء . . ثم إضافتهن إلى المجتمع الإسلامي ، المخاطب بهذا الخطاب من رب العزة . . « فتياتكم » . . فهنّ بهذا الوصف من أبناء هذا المجتمع ، ومن فتياته ، ولسن من عالم غريب عنه . وثانيا : يأتي وصفهن بالمؤمنات ، في مقابل وصف الحرائر المحصنات بهذا الوصف . . « وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ » فهؤلاء وأولئك جميعا - حرائر وإماء - على منزلة واحدة عند اللّه ، في التعرف إليه ، والإيمان به . . وفي هذا المقام يكون التفاضل بين إنسان وإنسان . . فربما تبلغ الأمة بإيمانها منزلة رفيعة عند اللّه ، تتقطع دونها أعناق كثير من الحرائر المؤمنات . . ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك كاشفا عن هذه الحقيقة ، ومنوها عنها : « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ » وبهذا الإيمان يفضل بعضكم بعضا ، دون حساب للوضع الاجتماعي للحرّة أو الأمة . . ثم جاء قوله تعالى بعد ذلك : « بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ » مؤكدا لهذه الحقيقة ، وأن الإيمان باللّه ، والعمل بمقتضى هذا الإيمان هو الذي يحدّد درجات